العيني

203

عمدة القاري

إليكما فأقضي بينكما ، فخرج إليهما مشتملاً على سيفه ، فضرب الذي قال : ردنا إلى عمر ، فقتله وأدبر الآخر فاراً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا رسول الله ! قتل عمر والله صاحبي ، ولولا أني أعجزته لقتلني ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما كنت أظن أن يجترىء عمر على قتل رجل مؤمن . فأنزل الله تعالى : * ( فلا وربك لا يؤمنون . . . ) * ( النساء : 56 ) . الآية ، فهدر دم ذلك الرجل وبرىء عمر من قتله ، فكره الله أن يسن ذلك بعد فقال : * ( ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم ) * إلى قوله : * ( وأشد تثبيتاً ) * ( النساء : 66 ) . وكذا رواه ابن مردويه من طريق ابن لهيعة عن أبي الأسود به ، قال ابن كثير : وهو أثر غريب ومرسل ، وابن لهيعة ضعيف . طريق أخرى : قال الحافظ أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الرحمن بن إبراهيم بن دحيم في ( تفسيره ) : حدثنا شعيب بن شعيب حدثنا أبو المغيرة حدثنا عتبة بن ضمرة حدثني أبي : أن رجلين اختصما إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقضى للمحق على المبطل ، فقال المقضي عليه : لا أرضى ، فقال صاحبه : فما تريد ؟ قال : أن نذهب إلى أبي بكر الصديق ، ؟ ، وقد ذهبا إليه فقال الذي قضي له : قد اختصمنا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقضي لي ، فقال أبو بكر : فأنتما على ما قضى به النبي صلى الله عليه وسلم ، فأبى صاحبه أن يرضى ، قال : فاتيا عمر بن الخطاب فأتياه ، فقال المقضي له : قد اختصمنا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقضى لي عليه فأبى أن يرضى ، ثم أتينا أبا بكر فقال : أنتما على ما قضى به النبي صلى الله عليه وسلم ، فأبى أن يرضى ، فسأله عمر ، فقال كذلك ، فدخل عمر منزله وخرج والسيف في يده قد سله ، فضرب به رأس الذي أبى أن يرضى فقتله ، فأنزل الله * ( فلا وربك لا يؤمنون ) * ( النساء : 56 ) . إلى آخر الآية . قوله : * ( فلا وربك ) * ( النساء : 56 ) . أي : ليس الأمر كما يزعمون أنهم آمنوا وهم يخالفون حكمك ، ثم استأنف القسم فقال : لا يؤمنون ، وقيل : هي متصلة بقصة اليهودي . قوله : * ( فيما شجر بينهم ) * ( النساء : 56 ) . أي : اختلف واختلط من أمرهم والتبس عليهم حكمه ، ومنه الشجر لاختلاف أغصانه . قوله : * ( حرجاً ) * ( النساء : 56 ) . أي : شكاً وضيقاً . قوله : * ( ويسلموا تسليماً ) * ( النساء : 56 ) . أي : فيما أمرتهم به ولا يعارضوه ، ودلت الآية على أن من لم يرض بحكم الرسول فهو غير مؤمن . ذكر ما يستفاد منه : فيه : أن ماء الأودية التي لم تستنبط بعمل فيها مباح ، ومن سبق إليه فهو أحق به . وفيه : أن أهل الشرب الأعلى يقدَّم على من هو أسفل منه ويحبس الأول الماء حتى يبلغ إلى جدار حائطه ، ثم يرسل الماء إلى من هو أسفل منه فيسقي كذلك ويحبس الماء كذلك ، ثم يرسله إلى من هو أسفل منه ، وهكذا ، وفي حديث الباب : إحبس الماء حتى يرجع إلى الجدر ، وفي حديث عبد الله بن عمرو الذي أخرجه أبو داود وابن ماجة من رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى في سبل المهزور أن يمسك حتى يبلغ الكعبين . ثم يرسل الأعلى إلى الأسفل ، والمهزور بالزاي ثم بالراء وادي بني قريظة ، قاله ابن الأثير ، وفي حديث عبادة بن الصامت الذي أخرجه ابن ماجة عنه قال : إن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، قضى في شرب النخل من السيل : أن الأعلى يشرب قبل الأسفل ويترك الماء فيه إلى الكعبين ثم يرسل الماء إلى أسفل الذي يليه ، وكذلك حتى تنقضي الحواشط ، وفي حديث ثعلبة بن أبي مالك القرظي الذي أخرجه ابن ماجة أيضاً عنه ، قال : قضى رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، في سيل مهزور الأعلى قبل الأسفل . فيسقي الأعلى إلى الكعبين ، ثم يرسل إلى من هو أسفل منه ، وقال الرافعي لا مخالفة بين التقديرين ، لأن الماء إذا بلغ الكعب بلغ أصل الجدار ، وقال ابن شهاب : فقدرت الأنصار والناس قول النبي ، صلى الله عليه وسلم : إسق يا زبير ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر ، كان ذلك إلى الكعبين على ما يجيء ، إن شاء الله تعالى ، وقال أبو الحسن الماوردي : ليس التقدير بالبلوغ إلى الكعبين على عموم الأزمان والبلدان ، لأنه يدور بالحاجة ، والحاجة تختلف باختلاف الأرض ، وباختلاف ما فيها من زرع وشجر وبوقت الزراعة ووقت السقي وحمل بعض الفقهاء المتأخرين قول الفقهاء في أنه : يسقي الأول أرضه ثم يرسله إلى الثاني ثم يرسله إلى الثالث أن المراد بالأول من تقدم إحياؤه ، وبالثاني الذي أحيى بعد الأول ، وهكذا قاله صاحب المهمات ، وحمل كلام الرافعي عليه قال : وليس المراد الأقرب إلى أصل النهر فالأقرب لا بالسبق ، فلذلك اعتبرناه انتهى . قلت : هذا ليس بشيء وليس مراد الرافعي وغيره من الفقهاء بالأول الذي هو أقرب إلى أصل الماء ، لأنا إذا اعتبرنا هذا يضيع حق الأول ، وذلك لأن الماء إذا نزل من علو فلم يسق الأول حتى نزل الماء إلى الأسفل وسقى به الأسفل ، وبعد ذلك كيف يعود الماء إلى الأول